اكاديمية الامين للتدريب والاستشارات عن بعد
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
ياضيــــــــفنا قد زرتــــــــــــــنا فوجدتنا
نحن الضيوف وانت رب المنزلي
نسعد بقدومك ونتشرف بتسجيلك معنا
لايحتاج بان تسجيل كل شي متاح بدون تسجيل
مع العلم ان اجراءت التسجيل فقط بخطوتين


اكاديمية الامين للتدريب والاستشارات عن بعد

المدرب د . صالح غرم الله الغامدي
 
الرئيسيةصالح الغامديالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حبّ البقاء والخلود

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin
avatar

الموقع الموقع : دكتوراه من كلية كينغستون لإدارة الأعمال و البحث العلمي علوم نفسية والارشاد الطلابي ماجستير علوم نفسية وتنمية بشرية من كلية كينغستون لإدارة الأعمال و البحث العلمي بكالوريوس علم نفس جامعة الملك سعود تخصص إكلينيكي دبلوم توجيه وإرشاد طلابي واسرى جامعة الدمام مدرب معتمد من المجموعة الدولية للتدريب والاستشارات وجودة التعليم دبلوم برمجة لغوية عصبية من ريسر الأمريكي ممارس للبرمجة اللغوية العصبية من ريسر الأمريكي ممارس متقدم للبرمجة اللغوية العصبية من ريسر الأمريكي ممارس برمجة لغوية عصبية من المركز الكندي للتدريب من الدكتور ابراهيم الفقي يرحمه الله دبلوم برمجة عصبية الاتحاد العالمي للبرمجة اللغوية العصبية دبلوم مدرب معتمد لدورات التدريبية المجموعة الدولية للتدريب والاستشارات دبلوم الوقوف أمام الكاميرا من خدمة المجتمع والتدريب بجامعة الملك سعود ممارس التنويم الإيحائي البورد الأمريكي مدرب معتمد التفكير بطريقة تريز المجموعة الدولية للتدريب والاستشارات مدرب معتمد ومحلل للخط للجر فولوجي من أكاديمية الخط الفرنسية العالمية مدرب معتمد للبرمجة اللغوية العصبية من الريسر الأمريكي بولاية نيوجيرسي رقم الاعتماد : 007002 -- وكأرنية رقم 9623 مدرب معتمد لمقياس هيرمان من المركز الكندي التابع د ابراهيم الفقي دبلوم لغة انجليزية من أكاديمية كامبردج دبلوم تطبيق في علم النفس العيادي في المستشفى العسكري دبلوم اعداد مدربين معتمدة من اكاديمية جونهيفر - بريطانيا اخصائي تدريب معتمد من مركز كامبريدج - لندن مدرب معتمد من البورد العربي مدرب اعداد مدربين معتمد من اكاديمية جون هيفر - بريطانيا مدرب معتمدة من اكاديمية ISR - بريطانيا مدرب تطوير اداء المدربين معتمدة من ( ISR ) بريطانيا مدرب فن الالقاء صادرة من اكاديمية ايجابيون ومعتمدة من البورد العربي مدرب مهارات المدرب الفعال صادرة من اكاديمية ايجابيون ومعتمدة من البورد العربي مدرب فن اعداد الحقائب التدريبية صادرة من اكاديمية ايجابيون ومعتمدة من البورد العربي مدرب مهارات التواصل الفعال صادرة من اكاديمية ايجابيون ومعتمدة من البورد العربي عضوية اكاديمية ايجابيون الذهبية مدرب للغة الجسد المستوى الاول من البورد الخليجي مدرب معتمد من البورد الخليجي مدرب محلل وكبير مدربين للجر فولوجي مدرب قاري للوجيه بطريقة إدوارد جونز ( الفراسة ) مدرب معتمد من البورد الامريكى للتفكير بلا حدود مدرب معتمد من الاكاديمية لندن مدرب معتمد من الاكاديمية الامريكية العالمية مدرب معتمد من الاتحاد العربي للأعلام والتنمية مدرب للتوافق الزواجي والاسري عن طريق خط اليد مستشار تربوي من الاكاديمية الدولية للتدريب والتنمية بمصر رقم العضوية 1236 مستشار اسرى من الاكاديمية الدولية للتدريب والتنمية بمصر مستشار اسرى وتربوي من الاتحاد العالمي للتدريب بأمريكا مدرب معتمد لمقياس هيرمان من المركز الكندي التابع للدكتور ابراهيم الفقي رحمة الله علية شهادة حضور دورة مقياس هيرمان من المركز العالمي الكندي بمونتريال شهادة حضور ملتقى انت سر التغير من د وايت سمول ومحمد عاشور مدرب معتمد من التربية والتعليم ومصمم للحقائب التدريبية

مُساهمةموضوع: حبّ البقاء والخلود   السبت يناير 21, 2012 12:48 pm

حبّ البقاء والخلود

انّ حبّ البقاء لازم طبيعي لحبّ الذات. وبما انّ حبّ الذات من الغرائز الأصيلة والرغبات المسلّمة في الإنسان وأنّ كلّ انسان يحبّ نفسه يقينا، فكذا يكون محبّاً لبقائه وخلوده، لانّ حبّ النفس لا يعني انّه يحبّ الوجود الآني لنفسه ثمّ لا يشعر بأىّ شعور تجاه مستقبله، بل يعني انّه يحبّ وجوده في الازمنة التالية أيضاً وفي كلّ زمان. انّ الإنسان يرغب بشدة في أن يدوم وجوده ويخلد. فمن الطبيعي أن يكون أوّل وأقرب الآثار التي تترتّب على حبّ الذات هو حبّ البقاء والرغبة في الحياة الخالدة، وكلّ انسان يمتلك في ذاته هذه الغريزة بالفطرة. انّ العلاقة الوطيدة والتلازم بين هذين الحبّين يبلغ حدّاً بحيث لا يوجد من يقرّ بوجود حبّ الذات في الإنسان ثمّ ينكر حبّه للبقاء والخلود.

معرفة النفس وحبّ البقاء

ينبغي الالتفات إلى انّ للعلم والمعرفة هنا دوراً أساسيا في تحديد المصداق وتوجيه حبّ البقاء، بمعنى انّ الإنسان إذا عرف نفسه معرفة صحيحة وأدرك حقيقة الوجود وحقيقة حياته جيّداً فإنّ هذا الحبّ يجد اتجاهه الصحيح أيضاً، والاّ فسوف يخطىء في تشخيص المصداق، ويوجّه حبّ البقاء توجيها خاطئا إثر جهله، ويكون بذلك سبباً للمزيد من الانحراف الخُلقي.

انّ المعرفة في مجال حبّ البقاء ذات أهمّية خاصّة في الرؤية الإسلامية أيضاً. فلو عرف الإنسان انّ له حقيقةً غير مادية ولا تنحصر حياته في الحياة الدنيا فإنّ حبّ البقاء والخلود سيجد اتجاهه الطبيعي والفطري، وسيتعلّق حبّ الإنسان بحياته الأبدية، وفي المقابل لو اعتقد أنّ وجوده هو هذا الوجود المادي، وتنحصر حياته في هذه الحياة الدنيا ولا توجد حقيقة اُخرى وراء هذا الوجود والحياة المادية فستنحرف هذه الغريزة الفطرية وحبّ البقاء في الإنسان عن نهجها الطبيعي والمسيرة الفطرية الأصيلة، وستتوقف في هذه المرحلة القصيرة من الوجود المادي والحياة الدنيوية للانسان، وسيكون هذا الانحراف والجمود منشأ للكثير من الآثار والأعراض والأعمال والسلوك والعلاقات الخاطئة والقبيحة.

وقد دار البحث في ما مضى حول حبّ الدنيا ودوره الفعال ـ وفق الرؤية الإسلامية ومضمون الرواية القائلة «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة» ـ في نشوء الفساد الخُلقي، وهنا نريد القول: انّ الجذور النفسية لهذه القضية ترجع إلى حبّ الخلود الذي لم يجد اتجاهه الصحيح نتيجةً للجهل. انّ السبب في حبّ الإنسان للدنيا هو حبّه للخلود والبقاء الذي يتخذ هذا الاتجاه في إطار التفسير المادي لحياة الإنسان.

انّ الإنسان الذي يطلب بقاء حياته واستمرارها من جهة، ويرى إنحصار حياته في الوجود المادي والحياة الدنيا من جهة اُخرى يرغب في استمرار هذه الحياة المادية، في حين لو التفت وتيقّن انّ حقيقة الحياة لا تتلخّص في الحياة الدنيا، بل هي أسمى منها فانّه سوف لا يبدي مثل هذا التعلّق المفرط والمفسد بالحياة المادية والدنيوية، ولا يعتبرها مراده الأصيل وهدفه النهائي، وبالتالي لا يرتكب كلّ ذنب وإثم للمحافظة عليها واستمرارها.

الأخلاق وحبّ البقاء

كما ذكرنا في موارد اُخرى انّ أصل هذه الغريزة ـ كأيّة غريزة اُخرى ليست حسنة ولا سيئة من الناحية الأخلاقية، لانّ هذه الغرائز من اللوازم الجبرية والتكوينية للوجود الإنساني، ومن هنا فهي لا تخضع للتقييم ولا تدخل نطاق الأخلاق، حيث قلنا انّ الأمور التي تدخل هذا النطاق هي التي تجد إرادة الإنسان واختياره إليها سبيلا.

انّ حبّ البقاء الذي يتناوله بحثنا حبّ فطري وتكويني أُودع في ذات الإنسان وطبيعته ولا اختيار للانسان بشأنه. وما يخضع لاختيار الإنسان بشأن هذا الحبّ هو توجيهه وتحديد مصداقه وآثاره وأعراضه وطريقة التعامل التي يتخذها إثر ذلك، ولميزة كونه أمراً إراديا فانّه يدخل نطاق الأخلاق ويتصف بقيمة إيجابيّة أو سلبيّة.

القرآن وحبّ البقاء

تدل آيات قرآنية على وجود هذا الحبّ الفطري في ذات الإنسان، وبعبارة أوضح انّها تقرّ بوجود هذا الحبّ كأمر واقعي في الإنسان، ويستخدمه كعامل ودافع في سبيل تربية الإنسان وترشيده وتكامله.

وعلى هذا، فإنّ حبّ البقاء في الإنسان بلحاظ دوره التربوي ليس أمراً مرفوضاً في الرؤية الإسلامية. ولذا ليس فقط لا تشجبه وإنّما تؤيد أصل وجوده فيه وتستغلّه في سبيل التربية الصحيحة من خلال تقديم المعرفة الدقيقة عن الإنسان وحياته.

من اللازم أن نشير هنا إلى بعض الآيات ذات العلاقة بهذا البحث:

النموذج الأول من هذه الآيات هو الآيتان اللتان ذكرناهما في قصة آدم(عليه السلام)ووسوسة الشيطان له، فانّها تمّت عبر طريقين: الأول حبّ الاقتدار والسلطان، والثاني حبّ الخلود.

قال تعالى في إحدى الآيتين:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لاَ يَبْلَى1.

وقال في الآية الثانية:

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ2.

تبيّن الآيتان انّ الشيطان كان يعرف آدم(عليه السلام) جيّداً، ويعلم بوجود حبّ الخلود في ذاته وبإمكان استغلاله كطاقة محرّكة إلى كلّ جهة.

من هنا سعى لخداعه عن طريق هذا الحبّ. فبما انّ آدم(عليه السلام) كان ذا حبّ فطري للخلود قام ابليس باستغلال هذه الحالة وأغراه بأنّ الخلود الذي تنشده يحصل بالأكل من هذه الشجرة.

أي انّ الشيطان سعى من خلال تقديم معلومات خاطئة أن يوجّه هذا الحبّ الفطري ـ الفاقد للاتجاه ـ باتجاه مراده. وقد قلنا سابقاً: انّ المعرفة الصحيحة أو غير الصحيحة يمكن أن تؤثّر في توجيه هذا الحبّ توجيها صحيحا أو غير صحيح، وتقديم مصداق مناسب أو غير مناسب لهذا الحبّ.

فيمكن الإستنباط جيّداً من هاتين الآيتين انّ مثل هذا الحبّ مودع في ذات آدم(عليه السلام) وذريته منذ بدء الخليقة، وسيكون حبّ الخلود في الإنسان حبّاً فطرياً ونوعياً. وفي الكثير من الآيات القرآنية الاُخرى التي ترغّب الإنسان في انتخاب طريق الآخرة والسعي لجذبه نحوه، وتحريره من حبّ الدنيا تتخذ عدة اجراءات لتحقيق هذا الهدف، من جملتها المقارنة بين الدنيا والآخرة ثمّ الحكم بأنّ الآخرة أكثر دواماً وأبقى ليقوم الإنسان بانتخاب الآخرة من بينهما ولا ينجذب للدنيا فوق الحدّ المطلوب.

انّ استخدام هذا الطريق في ذاته دليل على انّ البقاء والخلود ضالّة الإنسان ومراده الفطري، ويريد الله الحكيم ـ وهو رب الإنسان الذي أودع في ذاته هذا الحبّ ويحيط به علما بنحو كامل ـ بتعريف هذه الضالة والإشارة إليها توجيهَ هذا الحبّ نحو اتجاهه الفطري الصحيح ويخاطب الإنسان:

يا من تبحث عن ما هو خالد وأكثر دواماً وأبقى، عليك الاهتمام بالآخرة.

لو لم يكن هذا الحبّ موجوداً في الإنسان وكان غير مبال بالبقاء والخلود لانعدم جدوى هذا البيان والمقارنة ولم يحرّك احساسه ويلفت نظره. والحاصل أنّ القرآن يقرّ بوجود هذا الحبّ الفطري في الإنسان، وقد أعدّ هذا الكتاب السماوي ونظم برامجه التربوية على أساس وجود هذا الحبّ والاقرار بهذا الواقع.

ولكي يجذب القرآن الإنسان نحوالله والآخرة يقول في آية: إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاق3.

فمثل هذا الخطاب ينفع من يحبّ البقاء فطريا فيوجّه حبَّه نحو الآخرة، وبما انّ الإنسان يبحث فطريا عما هو أكثر دواماً وأبقى فإنّ الله يُريه بعبارة (ما عند الله باق) مصداقَ ذلك الشيء لكي يجذب رغبته الباطنية وحبّه الفطري نحوه.

ونظير الآية المذكورة تقول آية أخرى:

وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ4.

انّ الإنسان ـ كما قلنا ـ وإنْ كان يأنس ـ منذ البداية ـ بالمحسوسات واللذائذ الحسية الدنيوية والمادية ويفضّلها الاّ انّ الله سُبحانه بإثارة العقل والفكر الإنساني يلفت نظره إلى لذائذ أفضل وأكثر دواماً ويقول للناس:

إن جعلتم فطرتكم وعقولكم حاكمة فانّها تأمركم بطلب أمور هي أفضل وأكثر دواماً وتوضح لكم انّ ما عند الله هو الأكثر دواماً.

وهكذا تذكر آية اُخرى هذا التعبير بقيود أخرى:

وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)5، وذيل الآية (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ يبيّن شروط تحصيل (ما عند الله) ويريد القول: ما عند الله خير وأبقى ولكنّ تحصيله مقيّد بشرطين: الايمان أولاً، والعمل الصالح ثانياً.

الخلاصة انّ الآيات الثلاث ذات مضمون واحد وتحكم بأنّ (ما عند الله) هو الأفضل مع فارق هو انّ الآية الاُولى بيّنت هذه الحقيقة فقط، والآية الثانية ذكرت شرط إدراك هذه الحقيقة إلى جانب ذلك. وبعبارة (افلا تعقلون) تريد القول: وإنْ كان (ما عند الله) أفضل وأكثر دواماً الاّ انّ هذه الحقيقة يمكن تحصيلها بتفعيل العقل والارتقاء من عرصة الاحساس إلى ساحة التعقّل والتفكير، وذلك لانّ الحس عاجز عن إدراك ذلك، وما دام الإنسان مستغرقاً في الحس والإدراك الحسي واللذائذ المحسوسة فانّه عاجز عن إدراك حقيقة العبارة المذكورة.

والآية الثالثة تبيّن شرطي الوصول إلى ما ذُكر، وهما الايمان والعمل الصالح، فإنّ (ما عند الله) وإنْ كان أفضل وأبقى الاّ انّه ليس بوسع أيّ انسان تحصيله حتّى يوفّر شرطيه المذكورَين.

وقد جاء في آية أخرى:

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى6.

انّ الجنس البشري يفضّل ـ قبل أن تصله تعاليم الانبياء(عليهم السلام) ـ الحياة الدنيا، ولا يلتفت أساساً إلى الحياة الآخرة، وإنْ التفت فإنّ هذا الالتفات ليس بحيث يجذبه ويرغّبه إليها.

انّ أُنس الإنسان بالحياة الدنيا من البداية واللذة الحسية التي يشعر بها ـ بدون مقدمة ـ من هذه الحياة يدفعانه لتفضيل وانتخاب الحياة الدنيا، والله سُبحانه يعلّمه بتعبيرات مشابهة لما جاء في الآية المذكورة انّ الحياة الآخرة هي الأكثر خيراً ودواماً، وذلك لكي يرشده إلى الطريق الصحيح ويوجّه حبّه للبقاء نحو الجهة الصحيحة، وذلك بتقديم معرفة صحيحة، وقد قلنا انّ لها تأثيراً بالغاً في توجيه الغرائز كافة ومنها حبّ البقاء.

نركّز هنا على لفظ (أبقى) ولكي يصرف القرآن الناس عن حبّ الدنيا ويجذبهم إلى الآخرة يُفهم الإنسان بهذا اللفظ بأنّ الآخرة أبقى، ونعلم جميعا انّ هذا التعليم والإفهام يكون مؤثّرا ويلعب دوره في هداية الإنسان حينما يكون الشيء الأبقى والأكثر دواماً ضالّة الإنسان ويكون جذابا لديه، ويعمل على تحريكه حينما يتوفّر فيه هذا الحبّ بنحو طبيعي والصعود عن عالم الحس نحو عالم العقل والفكر.

يقول في آية أخرى:

وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى7.

قبل أن يمتلك الإنسان معرفة وافية عن الذات الإلهية المقدسة فلا أصالة لحبّه لله، بل يكون له جذور في حبّ آخر، بمعنى انّه يحبّ الله سُبحانه لأنّه الوسيلة لتأمين متطلَّباته الأخرى.

لو بلغ الإنسان في معرفته مستوى يرى الله عزّوجلّ مراداً ومحبوباً بالأصالة، في هذه الحالة يفضّل حبّ الله لدى مقارنته مع سائر الأمور المحبوبة والمرادة لأنّه أكمل وأبقى.

حينما يحبّ الإنسان شيئاً فانّه يودّ بقاء محبوبه لكي يلتذ بنحو أكبر برؤيته والأُنس معه والإرتباط به، ولا يدوم الحبّ لأشياءَ آنيّة الوجود، والذي يوجد في زمان و يفنى في زمان آخر.

انّ حبّ الإنسان ـ لو كان عن وعي وانتباه ـ ينبغي أن يتعلّق بشيء دائم، والقرآن يريد القول بعبارة والله خير وأبقى: انّ الدائم المطلق هو الله سُبحانه، ولفظ (أبقى) يلفتنا إلى هذه الحقيقة وهي أنّ البقاء مراد فطري للانسان، ويمكن القول: انّ في احتجاج النبي ابراهيم(عليه السلام) مع عبدة القمر والنجوم والشمس الذي أكّد فيه على قوله لا أحبّ الآفلين8 إشارة إلى هذه الحقيقة.

ومن الشواهد القرآنية الاُخرى على انّ الإنسان يبحث عن الخلود هو ما عبّر الله عزّوجلّ في هذا الكتاب السماوي المقدس عن يوم القيامة بـ (يوم الخلود) حيث قال في موضع:

ادْخُلُوهَا بِسَلاَم ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ9.

هذه التسمية التي تمّت بهدف إلفات نظر الناس وحبّهم نحو عالم الاخرة شاهد على وجود هذه الغريزة الفطرية في الإنسان والاقرار الإلهي به في القرآن.

وفي مواضع اُخرى ولكي يرغّب الناس في ممارسة الأعمال الصالحة يستفيد من هذا الوصف أيضاً ويعبّر عن الأعمال الصالحة والحسنة بـ (الباقيات) كقوله:

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَل10.

هذه التسمية تنبىء عن انجذاب الإنسان للبقاء والدوام فطريا وإنْ أكد ذلك بعبارة (خير عند ربك) الحاكية عن غريزة فطرية أخرى، مما يعني انّ للبقاء والدوام جاذبية في الإنسان، كما انّ كونه مراداً لله جاذبية اُخرى للانسان، هاتان النزعتان ترغّبان الإنسان وتحرّكانه نحو القيام بالأعمال الصالحة، وقد استُغلّتا في الآيتين المذكورتين كميدانين أو كعاملين تربويَّين.

الشاهد القرآني الآخر على وجود حبّ البقاء واقرار القرآن به هو القصة التي ذكرها الله سُبحانه في سورة الكهف، وهي قصة الرفيقين اللذين كان أحدهما مؤمنا موحّداً ومعتقداً بالله والآخرة، والآخر مشركا منجذبا للحياة الدنيا قال تعالى:

وَاضْرِبْ لَهُمْ مثلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَاب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لاََجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا * لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَب11.

ما يلفت الإنسان في هذه القصة في نطاق حبّ البقاء والخلود هو انّ كلا الصدّيقين ـ المؤمن والموحّد وهكذا المشرك وغير المؤمن بالله والقيامة ـ قد استندا إلى البقاء والدوام والخلود، فقد قال صاحب البستان المشرك والمنكر للقيامة: لا اظنّ أن يزول هذا البستان وهذه النِعم أبداً، فأرشده رفيقه المؤمن بأنّ هذه ليست أهلاً للبقاء وهي عرضة لمئات الأخطار والآفات والفناء والعدم، فمن الممكن أن تجفّ الأشجار وينضب ماء البستان وتصاب الثمار بالآفات و... وعلى هذا فإنّ الآية الكريمة تلوّح بأنّ الشخصين يحبّان البقاء فطرياً، ويطلبان شيئاً باقيا ودائما ويبحثان عن الخلود ولا يرغبان في ما هو غير دائم وغير باق .

انّ الفارق الوحيد بين الرفيقين في هذه القصة هو تعيين الشيء الباقي والدائم وتمييزه عن الشيء الفاني وغير الدائم. لقد دار الحوار والنقاش بينهما حول تحديد المصداق، فقد ظنّ أحدهما انّ هذا البستان الموجود في الدنيا سوف يبقى ولن يزول، واعتقد الآخر انّه غير باق ويجب البحث عن النعمة الباقية في محلّ آخر.

وأخيراً فإنّ الآيات المتعلّقة بهذه القصة القرآنية في سورة الكهف تنتهي بهذه الآية:

هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ للهِِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْب12.

خلاصة ما ذكرنا هي انّ الإنسان يحبّ الخلود، وقد أُودع ذلك في الذات الإنسانية على أساس حكمة الخلق الإلهية. والقرآن يقرّر ذلك، ولا يقتصر الأمر على انّه ليست له نظرة سلبيّة فحسبُ، بل سنّ الكثير من تعاليمه على أساس هذا الحبّ بأنّ عليكم ـ نظراً لوجود حبّ الخلود فيكم ـ الاهتمام بالآخرة وبالله عزّوجلّ وبما عند الله.

وفي مقابل ما استفدناه إلى هنا من الآيات توجد آيات اُخرى قد يبدو انّها تُعارض ما ذكرنا، وخلافا للآيات السابقة وتعتبر هذا الحبّ أمراً غير قابل للتحقّق والإشباع.

قال تعالى في إحدى الآيات القرآنية:

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ13.

كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ14.

انّ ظاهر هاتين الآيتين هو أن الإنسان لا يمكن أن يكون خالداً وأنّ الجميع يموتون إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ15.

وعليه فإنّ خلود الإنسان أمر غير ممكن فلا ينبغي أن يبحث ـ دون جدوى ـ عن أمر ممتنع، وإنْ كان الإنسان يتمنّاه!

وفي الردّ على التعارض المتراءى بين هذه الآية والآيات السابقة نقول: انّ هذه الآية لا تنفي خلود الإنسان بنحو عامّ ومطلق، بل تعتبر حياته المادية والدنيوية فانية وغير باقية. وسياق الآية بذاته يدل على هذا المعنى، ولاسيّما الآية الثانية حيث إنّها بعد الحكم بالموت وعدم الخلود على الجميع تنبىء بانّكم سوف ترجعون إلينا بعد الموت، مما يدل على وجود الإنسان وحياته بعد الموت ورجوعه إلى الله تعالى.

إضافةً إلى ذلك العدد الكبير من الآيات التي تتحدّث عن خلود الإنسان في الجنة أو النار بعبارة (خالدين فيها أبداً)، بل في إطلاق (يوم الخلود) على يوم القيامة في القرآن ككفاية للردّ على مثل هذا الوهم.

توجيه حبّ البقاء

انّ حبّ البقاء كالغرائز الفطرية الاُخرى في الإنسان ليس له في أصل الخلقة شكل محدّد وغير قابل للتغيير، ولا يشير إلى مصداق خاصّ. بل انّه نظير الرغبات والغرائز الأصيلة في الإنسان بمثابة المادة الخام التي يمكن صبّها في قوالب مختلفة واستخدامها في مختلف أبعاد الحياة. ولذا قد يكون نافعا في حياة الإنسان وقد يكون ضاراً، وذلك حسب تشكّله والجهة التي ينساق إليها.

انّ حبّ البقاء لابدّ أن تتمّ هدايته نحو الجهة الصحيحة لكي يكون له الأثر المطلوب في حياة الإنسان، ويقوم بدوره النافع في بناء الحياة الإنسانية الخالدة قبل أن يكون ضاراً ومثيراً للمشكلات.

يودّ الإنسان أن يبقى، لكنّ السؤال هو: هل يتعلّق هذا البقاء المنشود بهذه الحياة الدنيوية، أم للانسان حياة اُخرى يكون البقاء وصفاً لها؟ ليس من السهل تقديم الإجابة الصحيحة على مثل هذا السؤال، حيث انّه لا يرتبط بمجال محسوس ومادي محض، بل لابدّ من الإستعانة بالعقل ومصادرالمعرفة باللامحسوسات.

فالذين يستخدمون عقولهم بدقة ويحصلون على معرفة صحيحة عن النفس الإنسانية ويتوصلون بصورة مستقلة أو مستعينين بالروايات والآيات إلى انّ حقيقة الإنسان لا تنعدم وستعود يوماً ما وستكون لها حياة أبدية، بإمكانهم استثمار هذه الغريزة جيّداً في طريق تكاملهم، ويجدون دافعاً قوياً لممارسة الأفعال الإيجابية والبنّاءة والمحبّذة خُلقيّاً في نطاق الرؤية الإسلامية.

ولكنْ إذا أهمل الإنسان استخدام عقله ومعرفة حقيقته ولم يشرق قلبه بنور المعرفة ولم يؤمن بالآخرة فمن الطبيعي أن ينحصر ما يعرفه باسم الحياة في هذه الحياة الدنيوية وبالتالي يتمنّى بقاء هذه الحياة ودوامها.

انّ رؤية الإنسان إذا تحدّدت هكذا فإنّ حبّ البقاء والخلود في ضوئها سوف يتجلّى في حبّ الدنيا بصورته الخاصّة، ثمّ طلب الدنيا، وبالتالي عبادة الدنيا، سواء أكان منكرا للقيامة وجاحداً للآخرة وكان من المنكرين كما هو التعبير القرآني:

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ16.

أم كان في شك وتردّد فيها كما قال تعالى في آيات أخرى:

بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ17.

أو: بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاْخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ18.

أو ينقل عن بعض آخر قولهم:

وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً19.

على أىّ حال، فإنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة سواء اعتقدوا بعدمها وانكروا وجودها أم لم يكن لهم اعتقاد وكانوا على شك وتردّد بشأنها فإنّ من الطبيعي أن يكون اهتمام أمثال هؤلاء مركّزا على الحياة الدنيا وحدها. وسيتجلّى حبّهم الفطري للبقاء ويجد مصداقه في بقاء الحياة المادية. وبما انّ نطاق الحياة المادية الزائلة لا يمكن أن يتّسع لتلبية وإشباع حبّ الخلود فانّه يسبّب وقوع الفساد والكوارث أحياناً حيث يمكن تفسير الكثير من الحوادث التأريخية المرّة والجرائم الاجتماعية الفظيعة على هذا الأساس.

يحكي القرآن الكريم عن أهل الكتاب قولهم بانّهم يودّون لو يعيشون ألف عام حيث يقول :

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ على حَيَاة وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة20.

لقد كانوا يودّون لو يعيشون ألف عام في الدنيا. انّ هذا الحبّ لاستمرار الحياة في الدنيا ينشأ من حبّ الإنسان الفطري للبقاء والخلود وليس ذلك أمراً سيئاً في حدّ ذاته، بل انّه حبّ فطري قد أودعته يد الخلق في ذات الإنسان ـ شاء أم أبى ـ وسيكون خارجا عن نطاق إرادته وعن موطن القيم الأخلاقية.

ولكنْ نظراً إلى اقتران هذا الحبّ الفطري برؤية خاطئة ـ كما عند المشركين وطائفة من بني اسرائيل ـ وهي ظنّهم انّ الحياة الإنسانية تنحصر في هذه الحياة الدنيوية، وفي مثل هذا الجوّ الفكري والمعرفي يتجلّى ذلك الحبّ الفطري بهذا الشكل المنحرف وتكون له قيمة سلبيّة. فهذا الانحراف وهو الانجذاب الشديد للدنيا والحرص على الحياة المادية والخوف والوحشة من الموت يكون وليداً لحبّ البقاء الذي اتخذ صورة خاصّةً في ظلّ هذه الرؤية الضيقة والإنكار لعالم الآخرة، فأوجد في الإنسان مثل هذه المؤشرات والآثار الظاهرية والأعراض النفسية.

الخوف من الموت ومكافحته

من القضايا المطروحة في كلّ بقعة من عالم اليوم وتهتم بها الفلسفات والمذاهب والعقائد والمدارس الفكرية والاجتماعية المختلفة هي قضية الخوف من الموت.

انّ الخوف من الموت ظاهرة نفسية رهيبة وتوجب القلق والاضطراب والألم في بني الإنسان، ولو رام الإنسان المعيشة المريحة والمطمئنة والسارّة فعليه أن يطرد الخوف والقلق من الموت عن روحه ونفسه لكي يتحرر من هذا الاضطراب الذي يعكّر عليه صفو الحياة.

لو كان بالإمكان أن نمحو الموت من قاموس الحياة الإنسانية فسوف لا يبقى مجال للخوف من الموت تلقائيا، ولكنْ بما انّ الموت يُقبل على الإنسان يقينا وحتما ـ شاء أم أبى ـ وقد خط المصير المحتوم للانسان في قانون كلّ نفس ذائقة الموت فإنّ الخوف والقلق منه يوجد في روح الإنسان، وتبدو آثاره وأعراضه حتّى أنّه يمكن القول انّ منشأ الامراض النفسية لدى الكثيرين هو هذه الحالة والظاهرة النفسانية، وهي السبب في سوق الكثيرين نحو البطالة في الحياة أو الانتحار أو تعاطي المخدّرات و المُسكرات.

وقد حظيت هذه الظاهرة النفسية بدرجة كبيرة من الأهمية حيث أشغلت بال الكثير من علماء النفس، وبات هذا التساؤل يطرح نفسه أمامهم بنحو جدّي: كيف يمكن طرد الخوف من الموت في روح الإنسان فيعيش براحة ورغد؟ انّهم لم يتوصّلوا إلى أيّة نتيجة وعجزوا عن إعداد طريقة للحل سوى أن يقنعوا الإنسان بالتسليم للموت كأمر واقعي حتمي لا يُنكر، لقد توصّلوا بمنتهى العجز إلى ضرورة إعداد الناس تدريجيّاً للاذعان للموت كأىّ أمر واقعي في الحياة، وتلقّيه بلا وجل لانّه يطال كلّ انسان شاء أم أبى.

وقد أكد علماء النفس على هذا المبدأ التربوي وهو ضرورة تربية الطفل من البداية على أساس إدراك الأمور الواقعية والتسليم لها كما هي عليه، وهي أمور لا يمكن تحويرها و تغييرها. ولبعض المربين وعلماء النفس عبارة شهيرة وهي:

(إقبلْ نفسك كما أنت عليه، واقبلْ الأمور الواقعية كما هي عليه)

وفي كلّ الاحوال على الإنسان أن يطرد المُحالات من مخيلته وذهنه ومنها الخلود وعدم الموت.

ومن الضروري الالتفات إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الله سُبحانه قد أودع هذه الحالة النفسية (وهي الخوف من الموت) في ذات الإنسان على أساس من حكمته وتدبيره الحكيم، وهذه الحالة بدورها يمكن أن تنقذ حياة الإنسان من أخطار ومهالك كثيرة ومن حالات الموت القابلة للوقاية وتدفعه لمكافحة الكثير من الأمراض والابتعاد عن الأخطار.

كما انّ أساس الحياة الاجتماعية والنظام والقانون قائم عليها، ومع وجود الأحكام والقوانين الجنائية فإنّ الخوف من الموت أو القيود والآلام هي التي تدفع الناس لتنسيق سلوكهم وعلاقاتهم مع القانون وتحاشي الخطأ ووقاية أنفسهم حيثما كانوا من الأخطار والمهالك بسيرتهم العقلائية.

ولا شك انّ الخوف من الموت وحبّ البقاء في هذا المستوى نافعان للانسان نفسه وللآخرين والمجتمع حتّى بالنسبة للحياة المادية، وأمّا لو تعدّى هذا المستوى فسيكون منشأ للاضطراب والقلق أو يسبّب أمراضا نفسية مختلفة أخرى، أو يسوق الإنسان نحو العدميّة والانتحار وتعاطي المخدّرات والمُسكرات، ويكون في هذه الحالة ضاراً يقينا لابدّ من مكافحته.

الاّ انّ طريق مكافحته ليس كما نقلنا آنفا عن بعض علماء النفس وهو الاقرار بالأمور الواقعية لانّ بعضها مخيف والتسليم بها لا يسكن الآلام، بل سيكون بذاته منشأ لخوف الإنسان ووحشته.

وعليه فإنّ السؤال هو: كيف يجب مكافحة هذه الحالة؟

لكي نقدّم إجابة صحيحة عن هذا السؤال لابدّ أن نتعرّف على المنشأ الأساسي للخوف من الموت ونباشر معالجته من تلك النقطة.

يمكن القول انّ المنشأ الأساسي لذلك هو الجهل بحقيقة الموت والتفسير والتحليل الخاطىء لها.

لو كان الموت يعني الفناء والإنعدام المحتوم للانسان بحيث لا يبقى له أيّ أثر من وجوده وحياته فمن الطبيعي أن يستولي عليه الرعب، ويستوحش دوماً من هذه الأحوال في المستقبل ومصيره المحتوم الذي رسمته يد القضاء، ولا مفرّ له من ذلك.

ولكنْ لو التفت إلى أن حقيقة الموت ليست العدم والزوال والفناء، بل سوف يعود بعد الموت ولا تستمر حياته فحسبُ بل إن آثار حياته ومعالمها ستكون أقوى وأجلى، وستكون لذّاته وآلامه وإدراكه أشدَّ كما انّ الحياة الدنيا سيبهت لونها بالقياس إلى تلك الحياة بآثارها ومعالمها، ففي هذه الحالة سيختلف الأمر قطعاً، فإنّ الإنسان بهذه الرؤية وبهذا التفسير للموت سوف لا يهابه، بل بهذه الرؤية المستشفة من «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»21. سينظر إلى الحياة الحسية والمادية التي نسميها حياة كأنّها نوم، وموت الجسم يقظة من هذا النوم، وفي هذه الحالة لا يبقى مجال للخوف من الموت.

والآن لو أردنا التعرّف على حقيقة الموت وتعريفها للآخرين، فنظراً لكون الموت من أحوال الإنسان وأعراضه والحياة الإنسانية فلابدّ من جعل معرفتنا بالإنسان وحياته كاملة ودقيقة.

لو عرفنا حقيقة الإنسان معرفة صحيحة وأدركنا عدم إنحصار الحياة الإنسانية في هذه الحياة الدنيا، ليس هذا فحسبُ بل انّ حياته الأساسية والواقعية تكون بنحو لا يمكن اعتبار هذه الحياة حياة بالقياس إليها، وسوف تتغيّر رؤيتنا عن الموت ويزول الاضطراب والقلق منا.

في القرآن الكريم تعبير جميل عن الحياة الآخرة حيث يحكي عن الذي لم يعمل في الدنيا أعمالاً تنفعه هناك انّه:

يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي22.

ظاهر الآية هو أنّ الإنسان يرى الحياة في الآخرة واسعة وعميقة فيدرك حينها معنى الحياة، إذا كانت الحياة كما هي عليه في الآخرة فإنّ ما يطلق عليه (الحياة) في الدنيا ليست حياة أساساً ولا يصحّ إطلاق اسم الحياة عليها.

وفي آية اُخرى يؤيّد القرآن استنتاجنا هذا من الآية المذكورة حيث يقول:

وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الاْخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ23.

في هذه الآية يدل لام التأكيد وضمير الفصل (هي) والألف واللام في (الحيوان) على الحصر ويؤكد إنحصار الحياة على ما هو كائن في الآخرة.

أجل، انّ الحياة الواقعية والأصيلة للانسان تكون في الآخرة، فلو اكتسب الإنسان مثل هذه الرؤية لاتّخذ حبّه للخلود والأبدية ورغبته في البقاء والخلود جهتهما الصحيحة ووجدا موقعهما الواقعي، وفي هذه الحالة يدرك انّ التعلّق بالأبدية والحبّ للخلود ليسا جزافاً ولا أمراً محالاً، بل لهما واقعية ويجب البحث عنهما والعثور عليهما.

وكما قلنا سابقاًنؤكد مرة اُخرى انّه يجب البحث عن العلة الأساسية للانحراف عن حبّ الخلود والأبدية في عدم تكامل المعرفة والنقص فيها. أي حينما لا يدرك الإنسان حقيقة الحياة والحياة الحقيقية ويلخّص الحياة في الحياة الدنيا فإنّ هذا الحبّ يضلّه وتصبح قيمته سلبيّة، ولكنْ إذا كانت لديه معرفه صحيحة كان لحبّ الخلود تأثيره وقيمته الإيجابية أيضاً.

قيمة الحياة الدنيا

بعد العلم بأنّ الحياة الحقيقية والأبدية للانسان والخلود والدوام والبقاء تتيسّر في عالم الآخرة وانّ الحياة الدنيا فانية وزائلة يطرح هذا السؤال: ما هي إذنْ قيمة الحياة الدنيا؟ هل لها قيمة سلبيّة أم إيجابيّة؟ وإذا كانت إيجابيّة فما هي كيفية القيمة الإيجابية؟ وبعبارة بسيطة: هل لابدّ أن نطلب الموت أم الحياة؟ وإلى أىّ مستوى وبأيّة كيفية؟

للإجابة عن السؤال المذكور ننقل بعض الآيات القرآنية:

في موضع خاطب الله سُبحانه بعض اليهود بقوله:

قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للهِِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ24.

الظاهر أنّ مراد الآية هو انّ عالم الآخرة هو عالم اللقاء مع الله عزّوجلّ وبما انّ المحبّ يودّ رؤية محبوبه، فإذا كنتم صادقين في ادعائكم حبّ الله وولايته فتمنّوا الموت كي تسرعوا إلى لقاء الله تعالى.

ونظير هذه الآية جاء في موضع آخر من القرآن:

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الاْخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ على حَيَاة وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ25.

ربّما يستنتج من الآيتين المذكورتين ونظائرهما انّ البقاء والحياة في الدنيا أمر سلبي والموت أو الرحيل من هذا العالم ذو قيمة إيجابيّة، وبالتالي يجب على أصحاب الرؤية الصحيحة والذين يحبّون الله والآخرة أن يحبّوا الموت، وأن يجتنبوا معالجة أنفسهم إذا مرضوا، ويتركوا الوقاية من الموت عند الحوادث حتّى إذا كان ذلك ممكنا لكي يموتوا بسرعة ويرتحلوا إلى عالم الآخرة واللقاء بمحبوبهم!

من البديهي أنّه لا يمكن أن يكون مثل هذا الإستنتاج من الآيتين المذكورتين وأىّ آية اُخرى صحيحا وذا حقيقة. أجل، من الصحيح أن يكون الإنسان طالبا للآخرة ولكنْ لا يمكن إنكار هذه الحقيقة وهي أنّ الله عزّوجلّ خلق الإنسان في هذا العالم على أساس حكمة خاصّة ولهدف خاصّ. وعليه فإنّ الوجود في هذا العالم والحياة فيه ليس عبثاً ولا جزافاً دون معنى، بل له حكمة وحقيقة ولا يمكن انكار ذلك تماماً.

ولكنّ بما انّ الحياة في عالم الدنيا والحياة في عالم الآخرة لا يمكن أن تكونا في عرض واحد، لذا يمكننا أن نستنتج أنّ الرغبة في هذين اللونين من حياة الإنسان لا يمكن أن تكون متساوية وفي عرض واحد، وبما انّهما يتعلّقان بشخص واحد فإنّ هناك نوعاً من الترتّب والعلاقة الخاصّة الحاكمة عليهما، فإذا أردنا تقديم إجابة صحيحة عن السؤال المذكور لزمنا سلفاً الكشف عن هذه العلاقة بصورة دقيقة.

علاقة الحياة الدنيا بالحياة الآخرة

إذا عرف الإنسان هذه الحقيقة وهي انّ الحياة في الدنيا مقدمة للحياة في الآخرة ويمكن نيل السعادة في الآخرة بالعمل والسعي في الدنيا، والتفت إلى انّ اللحظات القصيرة التي جعلها الله تعالى في خدمته ستكون مفتاحاً لكنوزه الاُخروية الأبدية فانّه سيعرف الحياة الدنيا كما هي عليه، ويدرك انّ الحياة في هذا العالم ليست غير ذات قيمة سلبيّة فحسبُ، بل هي ذات قيمة إيجابيّة أيضاً كالحياة الاُخروية مع فارق انّ قيمتها لا تكون ذاتية وأصيلة، بل مقدمّية ومرادة بالغير.

انّ الإنسان الذي يتمتّع بهذه المعرفة ليس لا يعادي الحياة الدنيا فحسبُ ولا يطردها تماماً، بل سيحبّها لأنّه بعد معرفة موقعها ودورها بالقياس إلى الحياة الآخرة سيدرك هذه الحقيقة وهي انّه كلّما استمر وجوده في الدنيا أكثر كان قادراً على تحصيل تكامل أكبر وإنجاز المزيد من الأعمال الصالحة وبالتالي بلوغ مقامات أخروية أسمى.

انّ الروايات أو الادعية المروية عن الائمة المعصومين(عليهم السلام) والتي تتحدّث عن طلبهم طول العمر من الله العظيم قائمة على هذه الرؤية والإستنتاج المذكور، لقد كانوا على علم ويعلّمون الآخرين بأنّ الحياة الدنيا يمكن أن تكون وسيلة لنيل السعادة الاُخروية. والتعابير الواردة في الروايات نظير «الدنيا مزرعة الآخرة»26 تشير إلى هذه الحقيقة وهي انّ على الإنسان أن يعمل في الدنيا لكي ينال السعادة الدائمة في الآخرة.

أجل انّ هذه الحياة طريق لابدّ أن نجتازه ووسيلة ينبغي أن نستخدمها في مجالها وبصورة صحيحة، وأداة يجب العمل بها بدقة كي ننال سعادتنا والحياة اللائقة في العالم الخالد. إذ بغير هذا النهج، أي لو لم نستفد من الحياة الدنيا بنحو صحيح وفقدنا الدقة والمراقبة التامة، فقد يكون ذلك الخلود مقرونا بالعذاب، ومن الواضح انّ ذلك أمرُّ وآلم من الفناء والعدم.

يحكي القرآن الكريم في إحدى آياته عن لسان المشركين وأصحاب النار:

وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ27.

ولشدة الألم والعذاب في الحياة الاُخروية الخالدة يدعو المجرمون الله سُبحانه أن يميتهم ويعدمهم ويفضّلون الهلاك والفناء على الحياة القرينة مع الآلام والعذاب، فيجيبهم تعالى: انكم باقون هناك دائما.

فنحن الذين نتمتع بنعمة الحياة في الدنيا ينبغي أن ندرك الغاية من هذه النعم ودورها في مجمل حياتنا. لو أدركنا انّ هناك حياة في الآخرة إلى جانب الحياة الدنيا، وفهمنا ماهية العلاقة بين الدنيا والآخرة وتأثير حياتنا الدنيوية على حياتنا الاُخروية الخالدة وعرفنا انّه لابدّ من الزراعة هنا حتّى يتمّ الحصاد هناك، وانّ اُولي النعمة هناك هم الذين انجزوا أعمالاً هنا وسعوا وجدّوا من أجل تلك الحياة وتحصيل السعادة فيها، ففي هذه الحالة يرغب الإنسان أن تطول فترة حياته الدنيوية كي يُوفّق للمزيد من العمل وتحصيل نتائج أكبر من عمره.

إشكال و جواب

يطرح هنا هذا السؤال: إذا كان البقاء في الدنيا نافعاً إلى حدّ الدعاء لاستمرار هذه الحياة وبقائها فلماذا تشير الآيات المذكورة إلى أن على أولياء الله تمني الموت؟ انّ استنتاجنا هذا لا ينسجم مع ظاهر تلك الآيات، أو لماذا يقول أمير المؤمنين(عليه السلام):

«والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه»28.

أجل، لماذا كان أولياء الله يودّون الرحيل من الدنيا؟ ولماذا يحلو الموت لدى أولياء الله الطيبين إلى هذا المستوى؟

للإجابة عن السؤال المذكور ينبغي ملاحظة الاختلاف في الحيثيات والجهات.

انّ تمني الموت من قِبل أولياء الله هو من أجل لقاء محبوبهم بعد الموت حيث فصلتهم الحياة المادية عن محبوبهم، وبالموت يرتفع هذا المانع وينالون لقاء محبوبهم، ولا يتنافى ذلك مع طلبهم البقاء والدوام في هذا العالم من جهة أخرى، انّهم يطلبون بقاءهم لكي يستعدوا بنحو أفضل للّقاء، ولكي يجعلوا حياتهم في عالم الآخرة أطيب وأكثر ثماراً وذلك بسعيهم الحثيث.

فإنّ المقصود الأصيل للانسان هو النِعم الاُخروية والكرامات الإلهية ورضا الله ولقاؤه. ولذا يتمنّى الموت لتحصيلها ويقول: ليتني أرحل سريعاً فأصِل إلى هناك، ولكنّه حينما يلتفت إلى انّ الله تعالى وهو محبوبه يريد لقاءه في الآخرة وقد تزوّد من قبلُ بأعمال كثيرة واستعد في الدنيا بنحو أكبر للتنعّم بكراماته ونعمه يكون البقاء في هذا العالم مراداً وقيّما أيضاً.

وعليه فإنّ المؤمن الذي يعلم انّ الحياة الدائمة الأبدية والكرامات الإلهية تكون هناك فانّه يريد تلك الحياة بالاصالة، ولذا يكون الموت وهو الواسطة للانتقال إلى ذلك العالم طيبا. انّه لا يحبّ هذا العالم بالذات لانّ نعمه عابرة وفانية ولكنْ بتدبره في انّه كلّما دام بقاؤه في هذا العالم وازداد استعداداً سينال نعما أكبر في ذلك العالم ومرتبة أعلى من رضا مولاه ومحبوبه كان بقاؤه محبوبا ومراداً بالعَرض.

من هنا نقرأ في الروايات وسيرة الإمام السجاد(عليه السلام) انّه كان يتضرع إلى الله ويدعو:

«فإذا كان عمري مرتعا للشيطان فاقبضني اليك»29.

رؤية الإمام(عليه السلام) هي انّ هذه الحياة مرادة مادامت تساهم في تحقيق سعادة الإنسان ورفاهه في حياته الاُخروية الأبدية. أمّا إذا كانت كيفية حياته في هذا العالم سبباً لمضاعفة اثقاله وآلامه وعذابه وشقائه في عالم الآخرة أو حرمانه من بعض الكرامات فانّها لا تكون مرادة، إذ كلّما طال بقاؤه ساءت حياته الأبدية. وعليه من الأفضل أن يُعجَّل في رحيله من هذا العالم إلى عالم الآخرة. بملاحظة ما ذُكر يمكن القول: يصحّ تمنّي الموت في بعض الفروض الاُخرى أيضاً، وبعبارة اُخرى انّ تمني الموت يشير إلى حقيقتين وعلتين أو توجيهين صحيحين:

في بعض الموارد قد يكون تمني الموت معبّرا عن نفاد صبر الإنسان من البعد عن محبوبه، في هذه الحالة يحتمل صحّة حبّ الإنسان للموت والحياة لحيثيتين ولحاظين مختلفين: يتمنى الموت لانّ فؤاده توّاق لوصال محبوبه، ويريد البقاء في الدنيا لأنّه ببقائه فيها يزداد استعداداً للقاء محبوبه في عالم الآخرة.

وفي بعض الموارد يكون معنى حبّ الإنسان للموت هو ان حياته حينما تصبح مرتعا للشيطان فإنّ بقاءه في الدنيا كلّما استمر ازداد بعداً من الله عزّوجلّ. وعليه فإنّ بقاءه في الدنيا ذو قيمة سلبيّة ومرفوض لديه.

بملاحظة ما ذكرنا اتّضح صحّة تمني الموت من قبل أولياء الله تعالى لأنّه الواسطة للقاء محبوبهم، ولكنّ بقاءهم في هذه الحياة مراد أيضاً لكي ينالوا المزيد من الكرامات عند اللقاء.

نعم، المحبّون يريدون ما يريد محبوبهم. ولقد خلقهم الله في هذا العالم وقضت إرادته التكوينية استمرار حياتهم فيها حتّى بلوغ أجلهم المحتوم، ولذا يحبّ أولياء الله سُبحانه الحياة هنا لأنّه سُبحانه يريد لهم بقاء أطول هنا ويمارسون أعمالاً صالحة لينالوا كمالات أكبر، أو يوصلوا الآخرين إلى الكمال.

خلاصة القول

حصيلة البحث هي أن حبّ الخلود حبّ فطري غير مذموم ولا ممدوح أخلاقيا، وإذا كان حبّ الحياة الدنيا بلحاظ كونها مرادة بالذات فإنّ ذلك ناشىء من رؤية خاطئة ومن عدم الايمان بالآخرة، ويختص بالذين لم يعرفوا أنفسهم وحياتهم الحقيقية فيريدون الحياة الدنيا، وحتّى لو كانوا مؤمنين ومعتقدين بالآخرة فإنّ إيمانهم ليس قوياً ليؤثّر على أعمالهم وسلوكهم بنحو كامل، كحال الكثير من المؤمنين الذين يؤمنون بالآخرة وهم يصلّون ولكنّهم يحبّون الدنيا أيضاً، وينشأ الكثير من أعمالهم من حبّهم وانجذابهم المفرط للحياة الدنيا. انّ الحبّ الناشىء من ضعف الايمان ناشىء بدوره من ضآلة المعرفة.

انّ التعلّق الشديد بالحياة الدنيا غير صحيح للمؤمن والكافر على السواء مع فارق هو انّه يدمّر الكيان المعنوي للكافر تدميراً كاملا ويسلبه سعادته الدائمة لافتقاده الايمان من الأساس، بينما المؤمن لاتصافه بالايمان لا يتسافل تماماً وإنْ لم يكن إيمانه كاملا وقوياً، بل انّ ضعف إيمانه يحطّ من مرتبته ودرجات كماله بمعنى انّه كلّما ازداد حبّاً للدنيا تنزّلت مراتبه الاُخروية.

الاّ انّ ما ذُكر لايعني نكران حبّ الدنيا تماماً. فالحياة الدنيا بوصفها وسيلة لنيل السعادة الدائمة ـ شئنا أم ابينا ـ قد تكون نافعة ومرادة بالعَرض.

من خلال ما ذكرنا تتضح نكتة الجمع بين الآيات والروايات المتعارضة في الظاهر حيث انّها تذمّ حبّ الدنيا تارةً، وتطلب طول العمر في الوقت ذاته تارةً أخرى. أي يجب القول: انّها غير متعارضة واقعا لانّ المذموم هو حبّ الإنسان الذاتي والأصيل للدنيا ولا يتنافى ذلك مع كونها مرادة بالعَرض ولأجل كونها وسيلة لنيل السعادة في الآخرة.

لا قيمة ذاتية للدنيا لدى أولياء الله عزّوجلّ الذين لا يريدون غير ما يريده محبوبهم، ورغم ذلك يكون البقاء في الدنيا مراداً لهم لانّ مولاهم شاء ذلك. كما إذا أراد محبوبٌ من محبّه القيام بعمل في مكان بعيد عنه، فإنّ هذا العمل في ذاته غير مراد للمحبّ، ولكنْ بملاحظة طلب المحبوب ليس أنّه يكون قابلا للتحمّل فحسبُ بل يكون طيبا ويقوم به بشوق، يقول الإمام علي(عليه السلام) بهذا الشأن:

«ولولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين»30.

أمّا المؤمنون الذين لا يرتقون إلى مستوى الأولياء في المعرفة والحبّ الإلهي يكون حبّ الدنيا مراداً لديهم من أجل القيام بالمزيد من الأعمال الصالحة كي يتمتعوا بنِعم أخروية أكبر.

ولذا لا يريدون الحياة الدنيا ما لم تقدم تلك النتيجة المتوخاة. وإنْ أصبح عمرهم مرتعا للشيطان فانّهم لا يريدونها بل يسألون الله إنهاء حياتهم.

من هنا يتّضح السبب في تحذير الإنسان في الروايات من طول الأمل ووصفه كأعظم خطر يهدّد سعادة الإنسان.

روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين(عليه السلام):

«انّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتّباع الهوى وطول الأمل»31.

فطول الأمل دليل الحبّ المفرط لهذه الحياة وغفلة الإنسان ونسيانه للحياة الدائمة والسعادة الخالدة والغاية النهائية، ويجر الإنسان لارتكاب مختلف الأعمال القبيحة، ويصدّه عن الأعمال الممهّدة للسعادة الدائمة.

1 طه 120.

2 الأعراف 20.

3 النحل 95 و 96.

4 القصص 60.

5 الشورى 36.

6 الأعلى 16 و 17.

7 طه 131.

8 الأنعام 76.

9 ق 34.

10 الكهف 46 ومريم 76 بفارق ورود (مردّاً) بدلاً عن (أملاً).

11 الكهف 32 ـ 41.

12 الكهف 44.

13 الانبياء 34.

14 الانبياء 35.

15 الزمر 30.

16 الجاثية 24.

17 الدخان 9.

18 النمل 66.

19 الكهف 36.

20 البقرة 96.

21 بحار الانوار 50/134 الرواية 15.

22 الفجر 24.

23 العنكبوت 64.

24 الجمعة 6 و 7.

25 البقرة 94 ـ 96.

26 بحار الانوار 70/225.

27 الزخرف 77.

28 نهج البلاغة ـ شرح ابن ابي الحديد1/213.

29 بحار الانوار 73/62 في شرح الرواية 30.

30 نهج البلاغة ـ الخطبة 193.

31 المصدر السابق ـ الخطبة 28.


موقع اكاديمية الامين للتدريب والاستشارات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sgda.ahlamontada.net
 
حبّ البقاء والخلود
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اكاديمية الامين للتدريب والاستشارات عن بعد  :: القسم الخاص بالمشاركات الترفيهية :: القسم الخاص بالمشاركات الطلاب الدينية :: المنتدى الاسلامي-
انتقل الى: